ابن قيم الجوزية
47
الوابل الصيب من الكلم الطيب
العذاب كما نسيت آياتي فلم تذكرها ولم تعمل بها . وإعراضه عن ذكره يتناول إعراضه عن الذكر الذي أنزله ، وهو أن يذكر الذي أنزله في كتابه وهو المراد بتناول إعراضه عن أن يذكر ربه بكتابه وأسمائه وصفاته وأوامره وآلائه ونعمه ، فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى ، فإن الذكر في الآية إما مصدر مضاف إلى الفاعل أو مضاف إضافة الأسماء المحضة ، أعرض عن كتابي ولم يتله ولم يتدبره ولم يعمل به ولا فهمه ، فإن حياته ومعيشته لا تكون إلا مضيقة عليه منكدة معذباً فيها . والضنك الضيق والشدة والبلاء . ووصف المعيشة نفسها بالضنك مبالغة ، وفسرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ ، والصحيح أنها تتناول معيشته في الدنيا وحاله في البرزخ ، فإنه يكون في ضنك في الدارين ، وهو شدة وجهد وضيق . وفي الآخرة تنسى في العذاب . وهذا عكس أهل السعادة والفلاح فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب . قال تعالى : { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } فهذا في الدنيا ، ثم قال : { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } فهذا في البرزخ والآخرة . وقال تعالى : { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } وقال تعالى : { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا } حسنا { إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله } فهذا في الآخرة . وقال تعالى : { قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } فهذه أربعة مواضيع ذكر الله تعالى فيها أنه يجزي المحسن بإحسانه جزاءين : جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة . فالاحسان له جزاء معجل ولا بد ، والإساءة لها جزاء معجل ولا بد . ولو لم يكن إلا ما يجازي به المحسن من انشراح صدوره في انفساح قلبه وسروره ولذاته بمعاملة ربه عز وجل وطاعته وذكره ونعيم روحه بمحبته . وذكره وفرحه بربه سبحانه وتعالى أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه . وما يجازي به المسئ من ضيق الصدر وقسوة القلب وتشتته وظلمته وحزازاته وغمه وهمه وحزنه وخوفه وهذا أمر لا يكاد من له أدني حس وحياة يرتاب فيه ، بل الغموم والهموم والأحزان والضيق عقوبات